نبذة عن الكتاب
عاشت «رابعة» في بيتها الجديد تحمل اسمًا غير اسمها، وتعزى إلى بيئة غير بيئتها، تُساس بالعنف حينًا وبالإغراء حينًا آخر، والزمن يمضي والأيام أُنسي حتى باتت تذكر أيامها الأولى؛ كما يذكر الإنسان حلمًا لذيذًا، يأنس به في فترات متقطعة، ولكنها لم تنس أن اسمها «رابعة» وإن لم تكن تدعى به، كما لم تنس أن لها أخوات، وإن لم تعد تراهن إغير أنها نشأت فارعة ظريفة، حلوة الغناء، طيبة الصوت، ولقد تأدبت ما وسعها التأدب فاستقام لسانها بالشعر فحاولته، ثم قالته، فإذا هي تجيد منه شيئًا، فاجتمع لها ما لم يجتمع إلا للقليل من مثيلاتها، فحباها أستاذها مزيدًا من عنايته، ورعاها الرعاية كلها.
وتمضي الأعوام، وإذا «رابعة» في السابعة عشرة من عمرها، أكمل ما تكون صنعة، وأحسن ما تكون صوتًا، وأحلى ما تكون حديثًا، وأقوم ما تكون لسانا، وأثقف ما تكون عقلا.
ويجلس إليها يومّا أستاذها يستمع إليها، وهي تغني وتضرب، ويجلس إليها مع أستاذها نفر قليلون من الناس، رأت أمثالهم من قبل، ولكنها لم ترَفيهم عناية هؤلاء بأمرها، وتطلعهم إليها قائمة قاعدة، ضاربة مغنية، صامتة قائلة، فرابها من أمرهم ما رابها!